عين القضاة

99

شرح كلمات بابا طاهر العريان

وقال : ( إذا حمل العمّال يوم القيامة أعمالهم ، وأخذوا على ذلك ثوابهم ، حملت نفسي إلى اللّه تعالى أسيرة ؛ لينتقم اللّه منها خفيّا ) . أقول : بالغ هنا بهذا الكلام في مخالفة النفس ، ومعاداتها ، لما وجد منها من التورّط في المهالك ، والخصام في المعارك ، ونسج على هذا المنوال . وقال : ( لو صيّر اللّه تعالى إليّ مرادي في القيامة ، فقال لي : تمنّ ، أقول : يا ربّ ، أرني نفسي في الحقيقة ، التي هي عدويّ ، فحين أراها أذبحها بين يديّ ربّ العزّة ، وإذا كان يوم القيامة أقول : يا ربّ ، هذه نفسي فاقتلها ، فإنّها لا تصلح لرؤيتك ، وربّما أستحي من اللّه أن أسأله الرؤية ، وذلك ممّا أعرف من خساسة نفسي ، ونفسي عدوّي ، وعدوّ الحقّ ، فإذا كان يوم القيامة حملت عدوّي إليه ؛ ليعمل فيها ما يشاء ، ولولا مراد اللّه في أوليائه بحظّهم من الجنّة ، لحرّم العارفون على أنفسهم حظّ الدنيا والآخرة ، ممّا عرفوا من عداوة النفس ، ومعاداة النفس بالنفس خطأ ) . أقول : معنى ( معاداة النفس بالنفس ) ، أن تمنع عن حظّ بحظّ آخر لها في ذلك ، أو تخالف عن التشهّي ، لا عن العلم ، كما ترى من حال طائفة يحملون على أنفسهم الأعمال الشاقّة بدلالة الهوى ؛ ليتوسّلوا بذلك إلى شيء من حظوظ النفس ، وهذه المعاداة خطأ لا يرتكب ؛ لأنّها تتضمّن حبّها ، بل ينبغي أن تعادى بدلالة العلم ، وإشارة الإخلاص . وقال : ( نفس النفس لا تحسّ ولا تمسّ ، معروفة من غير رؤية ، موصوفة من غير إدراك ، مخالفة الحقّ حظّها ، ومجانبة العلم رسمها ، لا يعرف منها غير اسمها ، واللّه تعالى هو العالم بذاتها ) . أقول : نفس الشيء ذاته ، فنفس النفس ، ذاتها ؛ أي حقيقتها لا تدرك بحسّ من حواس القالب ، أو القلب ، بل هي معروفة من الناس من غير أن يراها أحد ، موصوفة بالصفات من غير أن يدركها مدرك ، مخالفة الحقّ حظّها ؛ ولذلك سمّيت عدوّ ، واللّه تعالى أمر الناس بمخالفتها ، ومجانبة العلم رسمها وعادتها ؛ لأنّها جهولة بذاتها ، لا يعرف منها إلّا الاسم دون المسمّى ، ولا يعلم بذاتها إلّا اللّه عزّ وجلّ .